ابن تيميه

149

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

« لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم » . وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس : « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » . فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك ، ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدا ودفن في حجرته ، لئلا يتمكن أحد من ذلك ، وكانت عائشة ساكنة فيها ، فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك ، إنما يدخلون إليها هي ، ولما توفّيت لم يبق بها أحد . ثم لما أدخلت في المسجد سدّت وبني الجدار البرّاني عليها فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره ، سواء كانت سنيّة أو بدعية ، بل إنما يصل الناس إلى مسجده ، ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره البتة ولم يتكلّموا بذلك ، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا من كلامهم ، فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبّر عن وجوده وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدا . وسأل اللّه أن لا يجعل قبره وثنا ونهى عن اتخاذ القبور مساجد فقال : « اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » . ولهذا كره مالك وغيره أن يقال : زرنا قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك ، وقد باشر التابعين بالمدينة وهو أعلم الناس بمثل ذلك ، ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لعرفه هؤلاء ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة ، الإخبار بلفظ تكلم به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فقد كان رضي اللّه عنه يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث ، فكيف يكره النطق بلفظه ؟ ولكن طائفة من العلماء سمّوا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكا ومن معه في المعنى ، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة له صلى اللّه عليه وسلّم ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء ، لكن هؤلاء سمّوا هذا زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسمّى هذا زيارة لقبره . وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة كسؤاله الاستغفار . وزاد بعض جهّال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها ، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه . ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره فظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانا حتى يفضلون تلك البقعة على المساجد ، وإن بني عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت للّه ، وحتى قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق ، إلى غير ذلك مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين .